أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

63

التوحيد

على أن البعد الذي يحجبنا والدقة يجوز أن يبلغه بصر غيرنا ، فصار ارتفاع الرؤية بالحجاب ، فإذا ارتفع جاز ، ولا قوة إلّا باللّه . وبعد ، فإن الذي يقوله تقدير برؤية الأجسام ، ولم يمتحن بصره بغير الأجسام والأعراض أن كيف سبيل الرؤية له . وبعد ، فإن كل جسم يرى وإن كان الدقة والبعد يحجبان ، فيجوز ارتفاعهما عن بصر غيره فيرى على ما يرى ملك الموت من بأطراف الأرض ووسطها مما لو اعتبر ذلك ببصر البشر لما احتمل الإدراك ، فثبت أن الذي قدّر به ليس هو سبب تعريف ما يبصر ، ولكن سبب تعريف ما يحجب به البصر فإذا ارتفع رأي ، مع ما كان المنفي رؤيته لذاته عرض ، وإلا فكل جسم يرى ، فإن لزم إنكار الرؤية لما ليس بجسم أو لما لا يرى إلا بما ذكر ليلزم الإقرار به ؛ لأن الذي لا يرى لذاته هو العرض ، وإلا فكل عين يرى ، ولا قوة إلّا باللّه . وعارض بأمر الدنيا . ولا يحال ذلك ، ولكن يسقط المحنة ويرفع الكلفة ، والدنيا لهما خلقت . ثم ذكر في أمر موسى عليه السلام أن ذلك على علم الإحاطة بالآيات . وقد بينا فساد ذلك . وما ذلك بلغ العلم بالذي يسأل ، وهو رسول بعث إلى ما به نجاة الخلق ، وذلك لا يكون بغير الممتحن ؛ إذ هو تبليغ الرسالة والدعاء إلى العبادة ، وهي محنة ، بل سأل الرؤية ليجلّ قدره وليعرف عظيم محلّه عند اللّه ، أو أن يكون اللّه أمره به ليعلم الخلق جواز ذلك ، وباللّه التوفيق . ثم استدل بأنه لم ير من يعقل ، إنما أرى الجبل ، والجبل لا يعقل ليعلمه وليراه . فيقال له : ولو كانت آية فالجبل لا يراها ولا يعقل ، وإذا كان كذلك فالآية إذا صار اندكاك الجبل لا أن أراه الآية ليندك بها ، وفي هذا آية ، قد أرى موسى الآية وهو اندكاك الجبل ، واللّه تعالى يقول : لَنْ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] ، وحملته على الآية ، وقد رآها ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم سأل نفسه عن معنى توبته ، ولا يسأل عنه ، فزعم أنه لوجهين : أحدهما أنه علم بما أراه من الأدلة أن ذلك صغيرة تاب عنها ، والثاني على العادة في الخلق من تجديدها عند الأهوال بلا حدوث ذنب . قال أبو منصور رحمه اللّه : ولو كان صغيرة لكان أولى من تركه إلى أن يعلم بالأدلة ، وهي في الأعلام في غير حال الإغماء أحق منها في حال الإغماء . والثاني : يصح ذلك عند معاينته الهول - لا عند سكونه وإبداله بالأمن والإفاقة وذلك وقت معاينته عصاه يهتز ، فولى مدبرا أحقّ ، واللّه الموفق . لكنه يحتمل أن يكون إذ قال له لن تراني ، وكان عنده جواز الرؤية في الشاهد